‫الرئيسية‬ الفلاحة في باب الصحراء.. قوة الإرادة تحول أراض قاحلة إلى حقول مخضرة
الفلاحة - 10 نوفمبر، 2025

في باب الصحراء.. قوة الإرادة تحول أراض قاحلة إلى حقول مخضرة

في كلميم باب الصحراء، حيث تمتد الأرض القاحلة تحت شمس لاهبة وتحد دائم لشح المياه، اختار العديد من فلاحي المنطقة أن يواجهوا الطبيعة لا أن يستسلموا لها.

بعزيمة لا تلين، وبإيمان عميق بسخاء الأرض، خاضوا مغامرة الفلاحة وسط الصحراء، ليجعلوا من رمالها حقولا خضراء نابضة بالعطاء.

فرغم قساوة المناخ وندرة التساقطات وهبوب العواصف الرملية، واصل هؤلاء الفلاحون مسيرتهم بثبات، متحدين قسوة الظروف ومحدودية الإمكانيات. ظلوا يؤمنون بأن التشبث بالأرض ليس مجرد خيار اقتصادي، بل هو واجب وطني وامتداد لجذورهم العميقة في هذا التراب. وعبر تضحيات موصولة وصبر طويل، استطاعوا أن يحو لوا مساحات كانت بالأمس جرداء إلى ضيعات منتجة تزهو بالخضر والفواكه.

وقد وجد هذا الإصرار الصادق من الفلاحين صدى لدى السلطات التي رافقتهم في مسارهم. فبفضل تدخلات وزارة الفلاحة ومصالحها الإقليمية، استفادوا من برامج الدعم والمواكبة التقنية، خصوصا مع إطلاق مخطط المغرب الأخضر (2008–2020)، الذي فتح أمامهم آفاقا جديدة للتحديث والتوسع، من خلال تجهيز الضيعات بأنظمة السقي الموضعي وتوفير التأطير والمعدات.

أحمد، فلاح شاب من جماعة أسرير، والحاج محمد من جماعة فاصك، نموذج لفلاحين ناجحين بالمنطقة حو لا المدى الرملي إلى أراض خضراء وارفة الظلال، وجعلا من كل شبر أرض قاحلة رمزا للأمل والبذل.

قصة هذين النموذجين من فلاحي المنطقة، جديرة بأن تروى لأنها تجس د، بالفعل، روح الإصرار والمثابرة وتملك زمام المبادرة، كما تعكس مستوى التطور الذي عرفته الفلاحة بالمنطقة والمغرب ككل، مما يثبت يوما بعد يوم أن الصحراء يمكن أن تكون أرضا للحياة والعطاء والإنتاج.

بعد أن كانت ساكنة المنطقة تعتمد في عهد سابق، على فلاحة معيشية وتقليدية تقوم على السقي بمياه الفيض (مياه متراكمة من سيلان الوديان)، بدأت الفلاحة بالمنطقة تتلمس طريقها نحو أنشطة فلاحية عصرية وتنافسية بفضل مبادرات وتدخلات لمصالح وزارة الفلاحة تم إطلاقها منذ سنوات مع إحداث أول مديرية إقليمية للفلاحة بكلميم بداية ثمانينات القرن الماضي.

وساهمت هذه العمليات والتدخلات في تغيير ملامح الفلاحة بإقليم كلميم، وبدأت تبرز على مستوى المنطقة، خلال السنوات الأخيرة، زراعة الخضروات باعتماد السقي من الآبار (بطاطس، بصل، طماطم، جزر، يقطين أو القرع بأنواعه)، ثم توسعت هذه الزراعات لتشمل بالخصوص، الصبار والأركان، لاسيما مع إطلاق مخطط المغرب الأخضر.

يحكي أحمد، صاحب ضيعة لإنتاج مزروعات متنوعة بدوار تامرغيست جماعة أسرير، لوكالة المغرب العربي للأنباء، قصة اهتمامه بالفلاحة وتشبثه بالأرض بهذا الدوار، قائلا: “اهتمامي بالفلاحة ورثته عن والدي وأجدادي بواحة تامرغيست، هذا الاهتمام جاء بعد اقتناعي بأن الاشتغال في أرض أجدادي والتشبث بها والاستقرار فيها بالقرب من أبنائي وعائلتي أفضل من الاشتغال بعيدا عنهم”.

وتابع “آثرت الاستقرار في الدوار ومزاولة الفلاحة رغم الظروف الصعبة بسبب قلة التساقطات المطرية، حيث كان الفلاح يحرث أرضه بوسائل تقليدية ويضطر إلى جلب مياه بواسطة الدلاء من الوادي ليسقي بها بعض المغروسات “.

وأضاف أن ما حفزه أكثر على ممارسة الفلاحة هو تشجيع الأصدقاء له لاسيما مع إطلاق مخطط المغرب الأخضر، حيث استفاد فلاحو المنطقة من الدعم، فظهرت طرق بديلة للسقي كالري بالتنقيط، وهكذا، تم الشروع في غرس منتوجات فلاحية متنوعة كالطماطم والفلفل واليقطين (القرع)، بالإضافة إلى ظهور ضيعات عصرية (زيتون، أناناس، موز…).

أما الحاج محمد، صاحب ضيعة لإنتاج الخروب والزيتون، فيحكي بكل فخر واعتزاز، عن أحوال الفلاحة وزخم التنمية بالمنطقة.

يقول المتحدث إن الفلاحة بالمنطقة شهدت خلال السنوات الأخيرة طفرة نوعية بعدما كانت في السابق عبارة عن زراعة معيشية وتقليدية تقوم على زراعة الحبوب والسقي بمياه الفيض المرتبطة بتساقطات مطرية نادرة.

وأشار إلى أن المنطقة انخرطت بعد المسيرة الخضراء المظفرة في مسار التنمية حيث شهدت تطورا في عدة مجالات من بنية تحتية وإنارة عمومية وماء صالح للشرب ومواصلات، ما حفز فلاحين من خارج المنطقة على القدوم للاستثمار فيها، خاصة مع إحداث شبكة مواصلات متطورة كالطريق السريع تزنيت-الداخلة، ومطار كلميم، وسد فاصك.

هذا التطور الذي شهدته الفلاحة في الإقليم، حسب الشاب أحمد والحاج محمد، نتج عن عزيمة الفلاحين وإصرارهم على تخصيب أراضيهم، إلى جانب الدعم الفع ال الذي وفرته مصالح وزارة الفلاحة من تجهيز الآبار وتجهيز الضيعات الفلاحية. وقد شج ع هذا التعاون الفلاحين على الاستثمار بجدية في الأرض، لتصبح المنطقة نموذجا للتنمية الفلاحية وسط الصحراء.

وبحسب مصالح وزارة الفلاحة بكلميم وادنون، فقد تم منذ سنوات لاسيما في 2008 تفعيل سلسلة من التحفيزات والإعانات للمستثمرين همت بالأساس عمليات تجهيز الأراضي بأنظمة السقي الموضعي وغرس الأشجار المثمرة وتجهيز الضيعات بالآليات وتحسين الإنتاج الفلاحي.

وبلغت المساحة المشمولة بالدعم العمومي، وفق المصدر ذاته، 6340 هكتارا، 90 بالمائة منها تتواجد بإقليم كلميم، والتي استفاد منها 1974 مشروعا استثماريا.

ويبقى الحاج محمد والشاب أحمد رمزا لعزيمة فلاحي المنطقة وإصرارهم على التشبث بالأرض والثقة في القدرة على ترويض الطبيعة. بجهد يومي وتضحيات مستمرة، استطاعوا تحويل مساحات جرداء إلى ضيعات منتجة تنبض بالحياة والعطاء.

كما ساهم تدخل وزارة الفلاحة ومصالحها الإقليمية بشكل كبير في نجاح هذه المغامرة، من خلال برامج الدعم والتأطير وتوفير المعدات. وجعل هذا التعاون بين إرادة الفلاحين وإمكانات الدولة من قطاع الفلاحة في كلميم قصة نجاح في قلب الصحراء، ي لهم كل من يسعى للاستثمار في الأرض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

سلالة الصردي.. موروث فلاحي واقتصادي متجذر بالشاوية

لا تعد سلالة “الصردي” مجرد صنف من الأغنام بالمغرب، بل تمثل رصيدا فلاحيا واقتصا…